استاد الدوحة
كاريكاتير

لوائح الرقابة المالية بين مطرقة الديون وسندان الإدارات الهاوية  

المصدر: محمود الفضلي

img
  • قبل 1 سنة
  • Sun 02 April 2017
  • 11:56 PM
  • eye 779

شمّر الاتحاد القطري لكرة القدم عن سواعد محاربة الترهل المالي في الاندية القطرية من خلال ما بات يعرف بلائحة الشفافية المالية او اللعب المالي النظيف بمحاولة إقرار لوائح خاصة تضبط عمليات الصرف المالي في الاندية خصوصا على مستوى التعاقدات لمحاولة السيطرة على الديون المتراكمة التي تتكبدها الاندية جراء التزامات تضعها على نفسها دون ادنى قدرة على الإيفاء بتلك الالتزامات، ما خلف ديونا كبيرة أثقلت كاهل الأندية.
 الخطوة الأولى في هذا الاتجاه اتخذها الاتحاد فعليا عندما اصدر تعميما يحظر عمليات إبرام التعاقدات من قبل الاندية مع اللاعبين سواء المحليون او الاجانب، خلافا الى منع تجديد عقود اللاعبين المتواجدين حاليا في صفوف الاندية، كتمهيد لحصر القيم المالية المترتبة على التعاقدات التي تبرمها الاندية بحيث لا تتعدى في المجموع ما يمكن ان يجنيه النادي من مدخولات مالية حتى يتسنى الوصول الى ان يكون مقدار الصرف مساويا للمدخول المتوافر او المنتظر.

عوائق كبيرة 
الحقيقة ان إقرار الشفافية المالية او النزاهة المالية او اللعب المالي النظيف "سمها ما شئت" في الكرة القطرية امر ينطوي على الكثير من المصاعب والمعوقات التي ستقف حائلا دون إمكانية حتى وضع خطة طويلة الاجل للقضاء على الترهل المالي الذي يبدو ان سببه المباشر الصرف اللامحسوب من قبل الإدارات التي تجاوزت حتى المبدأ الهاوي الذي يقول "اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب" على اعتبار ان ثمة اندية وصل بها الحد الى الاعتماد حتى على ميزانية سنوات قادمة، فباتت تصرف ما يمكن ان تجنيه مستقبلا من دعم ومخصصات حكومية في المقام الاول على اعتبار ان التسويق وتأمين موارد مالية اخرى غير الدعم لا يعدو كونه ذرا للرماد في العيون.
اكبر عائق امام لائحة الشفافية المالية المنتظرة هو كيفية التعامل مع الديون القديمة المتراكمة ايضا حد العجز عن الإيفاء بها، فكيف يمكن ان نطالب الاندية بان تتحرك في حدود ما يمكن ان يأتيها من مدخولات كدعم سنوي من الاتحاد القطري لكرة القدم ومؤسسة دوري نجوم قطر، مع العلم ان الديون السابقة ستأكل جل ما يمكن ان يصل الخزينة من تلك الاموال لسد نواقص كبيرة سابقة من مواسم تأخر فيها النادي عن السداد.
إذاً، المطلب الأول لتطبيق اللعب المالي النظيف هو ان تدخل الاندية وقد سوّت كل ديونها السابقة ودخلت الموسم الأول للتطبيق دون اية اعباء سابقة يمكن ان تلتهم الميزانية الجديدة، على اعتبار ان التداخل في الصرف بين الموسم الجديد والموسم السابق من شأنه ان يأكل الاخضر واليابس من الميزانية المتوافرة، ما يعني ان تلك الديون تصبح ككرة الثلج تكبر مع الوقت.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: إذا كانت مسألة تسوية الديون السابقة شرطا اساسيا ورئيسيا في الشروع في تطبيق الشفافية المالية، فما الجهة التي ستكون قادرة على تخليص الاندية من مديونياتها القديمة حتى نصل الى الصفر في الحسابات المنكوبة اصلا بالعجز المالي الكبير؟!.. وبالتالي فإن تفكير الاتحاد في تطبيق مبدأ الشفافية المالية وجب ان تسبقه خطوة تسوية الديون حتى تكون الارضية خصبة لتطبيق المبدأ من الاساس.

السقف الزمني 
في ظل المعوقات التي سقناها سابقا والتي تقف حائلا دون ان يمضي الاتحاد القطري في تطبيق مبدأ اللعب المالي النظيف، فإنه من الاجدى ان يتم الدخول في مراحل انتقالية بتحويل البوصلة ولو في الوقت الراهن الى خطوات استباقية او تمهيدية تعبد الطريق الى تطبيق النزاهة المالية بعد حين طبعا، وفي تلك الخطوات ما من شأنه اولا محاولة وقف عمليات استنزاف الميزانيات والموارد المالية للأندية من تعاقدات مبالغ في قيمها المالية، والهدف سيكون محاولة وقف تراكم الديون وابقاء مبالغ العجز الحالية كما هي دون ان تتواصل وتؤدي في النهاية الى غرق النادي وعدم قدرته على الوفاء لا بالتزامات المالية الحالية ولا السابقة ولا اللاحقة!.
إذاً، الخطوة الاولى ستكون محاولة تطبيق مبدأ الصرف الموازي للقدر المتوافر من العائد المادي الذي يصل الى النادي عبر فرض رقابة صارمة من قبل جهة متخصصة في الشأن المالي تراقب عمليات الصرف على التعاقدات سواء مع اللاعبين والمدربين دون تجاوز الحدود المالية المتوافرة او الممكن توفيرها من المدخولات الإضافية  التي لا تعدو كونها مبالغ دعم من المحبين والداعمين بالشكل الشخصي طبعا، مع وضع مسألة الاستثمارات حانبا، على اعتبار ان تلك الاستثمارات تعد هامشية لا يمكنها ان تغطي ولو مقدم صفقة من صفقات اللاعبين.
ويمكن للاتحاد القطري لكرة القدم وضع سقف زمني امام إدارات الاندية للبدء في تطبيق الشفافية المالية على ان يتم التعاون مع كل الاطراف المعنية وعلى رأسها وزارة الثقافة والرياضة التي ماانفكت تكون طرفا فاعلا في حل الكثير من القضايا ومنها عقود الباطن، وبالتالي فإن البدء في تطبيق النزاهة المالية فورا سيكون من المستحيلات طبعا في ظل الاوضاع الحالية المعقدة بالنسبة للاندية على المستوى المالي.

عقود الباطن.. خطوة 
ربما تكون الحرب الشعواء التي شنها الاتحاد القطري لكرة القدم على ما عُرف بعقود الباطن، من بين الخطوات الضرورية لتعبيد الطريق امام الوصول الى الشفافية المالية، على اعتبار ان العقود الإضافية غير الموثقة لدى الاتحاد القطري التي كانت تبرمها الاندية مع اللاعبين دون علم الاتحاد، تستنزف الكثير من ميزانيات الاندية وكانت السبب الاساسي في الميديونيات التي تجد الاندية نفسها تحت وطأتها، بسبب عدم وجود ضوابط لتلك العقود من حيث السقف المالي او القيم المالية، فجاء قرار الاتحاد بمنح الاندية واللاعبين مهلة لتسوية تلك العقود من خلال دمج العقد الاصلي (الموثق من قبل الاتحاد) مع العقد الثاني (عقد الباطن الإضافي) المبرم بين اللاعب والنادي بشكل مباشر، في عقد واحد بقيمة مالية معينة لا تزيد عن القيم المالية التي حددها الاتحاد القطري لكرة القدم ومؤسسة دوري نجوم قطر وفقا لما يعرف بتقييم اللاعبين الصادر عن المؤسسة والذي يحدد قيمة مقدم عقد اللاعب بـ40 ضعف الراتب الشهري الذي يتم تحديده وفقا للتقييم ايضا.
صحيح ان بعض المعوقات شابت العملية خصوصا على مستوى الجهة التي ستتبنى مسألة حصول اللاعبين على جزء من قيمة العقد الإضافي مقابل الغائه او دمجه مع العقد الاصلي بما سمي بالتسوية، الى حين تعهد وزارة الثقافة والرياضة تأمين المبالغ المطلوبة على ان يتم خصمها لاحقا من مخصصات الاندية، ومضى الاتحاد بتنفيذ تهديداته بإيقاف اللاعبين الرافضين للتسوية وفعلا جرى إيقاف بعض اللاعبين قبل ان يتم رفع الإيقاف عنهم بعد التوقيع.
نقول بان تلك كانت خطوة في الاتجاه الصحيح على اعتبار ان مواصلة العمل بعقود الباطن من شأنه ان يُبقي عملية استنزاف الميزانيات قائمة الامر الذي يؤدي الى مواصلة تراكم الديون على الاندية بالشكل الذي يؤدي في النهاية الى استحالة إيجاد الحلول.

لجنة الاحتراف بفهوم أشمل
يبدو واضحا ان مسألة إلغاء لجنة الاحتراف التي كانت معنية بكل ما يتعلق بالتعاقدات مع اللاعبين والمدربين امر وجب مراجعته في ظل ما عاشته الاندية من سوء إدارة ملفات اللاعبين المحترفين والمدربين وما انطوى على ذلك من مشاكل كبيرة وصلت حد الشكاوى لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" من عدم التزام بعض الاندية القطرية من دفع مستحقات اللاعبين والمدربين الامر الذي أضر بالكرة القطرية بشكل عام.
نكاد نجزم ان تطبيق الشفافية المالية من خلال انشاء لوائح خاصة بالرقابة المالية على الاندية، يتطلب تواجد لجنة خاصة تعنى في المقام الأول برقابة الامور المالية داخل الاندية، ولا ضير في ان تتولى اللجنة الإشراف على تعاقدات الاندية سواء مع اللاعبين المحترفين او المواطنين بالشكل الذي يمنع تجاوز الاسقف المالية المحددة للاندية وفقا لميزانياتها وما تتوفر عليه خزائنها، اي بالاحرى إمكانية عودة لجنة الاحتراف من جديد لكن بمهام اكثر شمولية خصوصا في جزئية توفرها على متخصصين في الأمور المالية لرقابة ميزانيات الاندية، وعدم ترك الامور المالية للتعاقدات للاندية مجددا حتى لا تكرر التجاوزات الحاصلة حاليا والتي اضرت كثيرا بالكرة القطرية كما اسلفنا.

التجربة الأوروبية والفوارق 
حتى لا يقول البعض ان مبدأ اللعب المالي النظيف يمكن تطبيقه عطفا على التجربة الاوروبية التي قادها اليويفا وادت الى نجاحات كبيرة واضحت خير عون للاندية على التخلص من الاعباء المالية السابقة والمترتبة على شكل ديون ولو بطريقة إجبارية في البداية، بيد ان الواقع يؤكد الفوارق الشاسعة بين ما حدث ويحدث في الاندية الاوروبية وبين الاندية الخليجية على وجه الخصوص، فتلك الاندية كيانات اقتصادية بالفعل وليست على الورق فقط كما جل الاندية الخليجية خصوصا تلك التي تشارك في دوري ابطال اسيا وتتحول بشكل وهمي الى شركات من اجل الحصول على التراخيص التي تخولها المشاركة بالبطولة القارية مع مستوى الاندية!.
عموما حتى الاتحاد الاوروبي نفسه تبنى أسقف زمنية لتطبيق مبدأ اللعب المالي النظيف بعدما اكتشف ان نصف الاندية البلغ عددها 655 تتحمل خسائر سنوية تزيد نسبتها عن 20 % وفق تقارير مالية تم عرضها على الاتحاد عام 2009.
فتم عرض فكرة الوصول الى نقطة التعادل في ميزانيات الاندية وهي التي تعني تساوي المصروفات مع المدخولات المالية التي يوفرها النادي خلال الصرف على لعبة كرة القدم، وبدأ التطبيق الفعلي منذ العام 2011 بحيث يتم السماح للاندية بأن تتكبد ديونا في الموسم الاول لا تزيد عن 45 مليون يورو ثم تتناقص تلك القيمة في الموسم الموالي 2012 - 2013 الى 30 مليون يورو ومن ثم الى 15 مليون يورو موسم 2013 - 2014 ومن ثم الى صفر في موسم  2014 - 2015.. حتى ان الاتحاد الاوروبي سيطر على مسألة ضخ الاموال من قبل الجهات او الأشخاص التي تملك الاندية، حيث يسمح بدعم يقدر بـ45 مليون يورو ودفع ديون الاندية خلال الفترة من 2011 الى 2015 على ان يقوم النادي بالإيفاء بالتزاماته المالية بنفسه من خلال الارباح التي يجنيها من السوق ومن عوائد البطولات والمشاركات والبث التلفزيوني وما شابه ذلك من مدخولات مختلفة.
كما شدد الاتحاد الاوربي العقوبات على الاندية المتجاوزة للاسقف المالية المتعلقة بالديون منها الإنذار اولا ومن ثم المنع من التعاقدات مع اللاعبين ومن ثم المنع من المشاركة في البطولات الاوروبية، وقد عانت اندية اوروبية من عقوبات الاتحاد الاوروبي جراء مبدأ اللعب المالي النظيف الذي ساهم بشكل كبير في الحد من مديونيات الاندية وحثها على رفع مدخولاتها وإيرادتها المالية من العمل التسويقي والاستثمار.

التعليقات

مقالات
السابق التالي